أحمد بن علي القلقشندي
186
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
المقصد الثالث في بيان ما يحتاج إليه الكاتب من اللغة ؛ ويرجع المقصود منه إلى خمسة أصناف الصنف الأوّل - الغريب ، وهو ما ليس بمألوف الاستعمال ، ولا دائر على الألسنة ؛ وذلك أن مدار الكتابة على استخراج المعاني من القرآن الكريم ، والأحاديث النبويّة ، والشعر ؛ وألفاظها لا تخلو عن الغريب ؛ بل ربّما غلب الغريب منها في الشّعر على المألوف لا سيّما الشعر الجاهليّ . وقد قال الأصمعيّ ( 1 ) « توسّلت بالملح ونلت بالغريب » . قال صاحب « الريحان والريعان » : « والغريب ، وإن لم ينفق منه الكاتب فإنه يجب أن يعلم ويتطلَّع إليه ويستشرف ؛ فربّ لفظة في خلال شعر أو خطبة أو مثل نادر أو حكاية ؛ فإن بقيت مقفلة دون أن تفتح لك ، بقي في الصدر منها حزازة تحوج إلى السّؤال ، وإن صنت وجهك عن السؤال ، رضيت بمنزلة الجهّال » . وقد عاب ابن قتيبة رجلا كتب في وصف برذون : « وقد بعثت به أبيض الظهر والشّفتين » . فقيل له : هلَّا قلت في بياض الشفتين أرثم ألمظ ! فقال لهم : فبياض الظهر ، قالوا لا ندري ، فقال : إنما جهلت من الشفتين ما جهلتم من الظَّهر . وذمّ قوما من وجوه الكتّاب بأنه اجتمع معهم في مجلس فتذاكروا عيوب الرقيق فلم يكن فيهم من يفرّق بين الوكع ( 2 ) والكوع ( 3 ) ، ولا بين الحنف ( 4 ) والفدع ( 5 ) ، ولا
--> ( 1 ) سبق التعريف به في الصفحة 123 من هذا الكتاب . ( 2 ) هو ميل الأصابع قبل السبّابة حتى تصير كالعقفة خلقة أو عرضا . وقد يكون في إبهام الرجل فيقبل الابهام على السبابة حتى يرى أصلها خارجا كالعقدة . ( اللسان 8 / 408 ) . ( 3 ) هو عظم الكوع ، وقيل اعوجاجه . ( اللسان 8 / 316 ) . ( 4 ) من القدمين ، إقبال كل واحدة منهما على الأخرى بإبهامها . وكذلك هو في الحافر في اليد والرجل . ( اللسان 9 / 56 ) . ( 5 ) عوج وميل في المفاصل كلها ، وأكثر ما يكون في الرسغ من اليد والقدم . ( اللسان 8 / 246 ) وفي الأصل « القذع » .